الشوكاني

525

فتح القدير

والجملة إما مستأنفة كأنه قيل ما حالهم فيها ؟ أو في محل نصب على الحال ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) أي مدة دوامهما . وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت ، لأنه قد علم بالأدلة القطعية تأييد عذاب الكفار في النار وعدم انقطاعه عنهم ، وثبت أيضا أن السماوات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا ، فقالت طائفة : إن هذا الإخبار جار على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام الشئ ، قالوا : هو دائم ما دامت السماوات والأرض ، ومنه قولهم : لا آتيك ما جن ليل ، وما اختلف الليل والنهار ، وما ناح الحمام ونحو ذلك . فيكون معنى الآية : أنهم خالدون فيها أبدا لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له ، وقيل إن المراد سماوات الآخرة وأرضها ، فقد ورد ما يدل على أن للآخرة سماوات وأرضا غير هذه الموجودة في الدنيا ، وهي دائمة بدوام دار الآخرة ، وأيضا لا بد لهم من موضع يقلهم وآخر يظلهم ، وهما أرض وسماء . قوله ( إلا ما شاء ربك ) قد اختلف أهل العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال : الأول أنه من قوله ( ففي النار ) كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك . روى هذا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري الثاني أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين ، وأنهم يخرجون بعد مدة من النار ، وعلى هذا يكون قوله سبحانه ( فأما الذين شقوا ) عاما في الكفرة والعصاة ، ويكون الاستثناء من خالدين ، وتكون ما بمعنى من ، وبهذا قال قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم . وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد ، فكان ذلك مخصصا لكل عموم ، الثالث أن الاستثناء من الزفير والشهيق : أي لهم فيها زفير وشهيق ( إلا ما شاء ربك ) من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق قاله ابن الأنباري . الرابع أن معنى الاستثناء : أنهم خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض لا يموتون إلا ما شاء ربك ، فإنه يأمر النار فتأكلهم حتى يفنوا ، ثم يجدد الله خلقهم ، روى ذلك عن ابن مسعود ، الخامس أن إلا معنى سوى والمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود ، كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له حكاه الزجاج . السادس ما روى عن الفراء وابن الأنباري وابن قتيبة من أن هذا لا ينافي عدم المشيئة كقولك : والله لأضربنه إلا أن أرى غير ذلك ، ونوقش هذا بأن معنى الآية الحكم بخلودهم إلا المدة التي شاء الله ، فالمشيئة قد حصلت جزما ، وقد حكى هذا القول الزجاج أيضا . السابع أن المعنى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم في قبوركم وللحساب حكاه الزجاج أيضا . الثامن أن المعنى : خالدين فيها إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم ، حكاه أيضا الزجاج ، واختاره الحكيم الترمذي التاسع أن إلا بمعنى الواو قاله الفراء ، والمعنى وما شاء ربك من الزيادة ، قال مكي : وهذا القول بعيد عند البصريين أن تكون إلا بمعنى الواو العاشر أن إلا بمعنى الكاف ، والتقدير : كما شاء ربك ومنه قوله تعالى - ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف - أي كما قد سلف . الحادي عشر أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل الاستثناء الذي ندب إليه الشارع في كل كلام فهو على حد قوله - لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين - روى نحو هذا عن أبي عبيد ، وهذه الأقوال هي جملة ما وقفنا عليه من أقوال أهل العلم . وقد نوقش بعضها بمناقشات ، ودفعت بدفوعات . وقد أوضحت ذلك في رسالة مستقلة جمعتها في جواب سؤال ورد من بعض الأعلام . ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض قرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي " سعدوا " بضم السين ، وقرأ الباقون بفتح السين ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم . قال سيبويه لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان لكونه مما لا يتعدى